محمد بن يحيى الصولي

تقديم 18

الأوراق

العصر هنا بمعنى الحقبة الزمنية ذات الأحداث المتشابهة ، والتي وقعت في مكان محدد ، لأسباب محددة ، نتائجها متوقعة ، وهى أحداث ولد الصولي بعد ثماني سنوات من بدايتها ، وعاش سنة أو سنتين قبل نهايتها . كان من الممكن أن يكون أبو بكر الصولي شاعرا أو كاتبا ( 4 ) أو نحويا ( 5 ) أو فقيها ( 6 ) أو إخباريا ( 7 ) أو موسيقيا ( 8 ) أو منجّما ( 9 ) أو مهندسا ( 10 ) أو نديما ( 11 ) ولكنه آثر أن يكون كلّ هؤلاء ، أن يكون عدّة رجال في رجل ، محيطا بكل شيء ، وليس متخصصا في شيء ، فالمتخصص في علم ما ، أو فن ما هو : الذي يضيف إضافة لتخصصه ، وتكون له فيه علامة ، ولا يمكن للدارسين أن يتجاوزوه إذا تذاكروا الفائقين في علم ما ، أو فن ما ، أما الموسوعى فهو : الذي يسبح في فضاء المعارف ولا يغوص ، يتعمق ولا يبعد ، وإن ابتعد لا يغيب ، ويجسب له أنه جمع فأوعى ، وسمع وروى وحفظ ودرى ، فتحول إلى وعاء امتلأ علما يشفى غلة الصادي ، ويروى ظمأ الملهوف ، لكن ليس له مجال تخصص يقف فيه ، وهكذا كان الصولي ، هو نتاج طبيعي للعصر العباسي الثاني في بغداد . وأعلم أنه سيتبادر إلى الذهن فورا أعلام كبار في حضارتنا الإسلامية ، فالمدائنى ( 215 ه ) ترك حوالي سبعة وثلاثين ومئتى كتاب ( 12 ) ، والجاحظ ( 255 ه ) ترك مكتبة معروفة ، وكذا ابن قتيبة ( 276 ه ) ، والطبري ( 310 ه ) ، وأبو حيان التوحيدي ( 400 ه ) وغيرهم كانوا موسوعيين وكانوا صورة منتزعة من عصورهم ، مثل الصولي ، ولكنهم تميزوا عنه بأنهم تجاوزوا عصورهم بتراثهم ، فصاروا صالحين لكل العصور ، وكان لهم من

--> ( 4 ) كتب الصولي في النثر الفنى مثل : رسالة الصولي إلى مزاحم بن فاتك ، وقد حقق هذه الرسالة ونشرها محققو كتاب أخبار أبى تمام وجعلوها مقدمة لأخباره ، مع أن أخبار أبى تمام مقدمة لشرح الصولي لديوان أبى تمام ، فكانت الرسالة توضع بعد أخبار أبى تمام وليس قبلها ، والمحققون هم : محمد عبده عزام ، وخليل محمود عساكر ، ونظير الإسلام الهندي ، من ص 3 إلى ص 56 - منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ، الثالثة - 1980 م ، وله رسالة إلى ابن أبي الساج أخبار الراضي ص 27 ، يقول : وكان ابن أبي السّاج في هذا الوقت بواسط عازما على لقاء القرامطة ، وكنت أنفذت إليه رسالة طويلة في كتاب عملته له ، أوصيه فيه بالمطاولة ، وهى رسالة حسنة - قد سرقها الناس منى - ، تجمع ضروبا من العلوم . ، وله رسالة إلى القاضي عمر بن محمد يقول : . . . ، وكانت له أشعار ملاح ، وجوابات منى ، قد أفردت لذلك كتابا فيه هذه الأشعار ، وفيه رسالة عملتها في وصف أبيه . ص 141 من أخبار الراضي باللَّه والمتقى للَّه - وله كتاب الغرر وهو عبارة عن أمال له . لعله أملاها على تلاميذه في حلقات الدرس ، يقول السمعاني : وكتبت جزءين من أماليه الحسنة عن شيخنا أبى منصور الجواليقي ببغداد - الأنساب ص 358 ، والنديم - الفهرست ص 222 ط التجارية . ( 5 ) له كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه - البغدادي - هدية العارفين ، 2 / 38 ، ط أستانبول - 1955 م ، وهو لإلمامه بعلم النحو ومدارسه ، قام بإعراب دواوين الشعراء ، وذكر بعض ما اختلفت فيه مدارس النحو ، حتى وضعه القفطي ضمن أنباه نحاته - 3 / 223 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط دار الكتب - 1950 م . ( 6 ) له كتاب الشامل في علم القرآن ذكر النديم أنه لم يتمه ، ثم يقول : وللعلماء في ذلك نوادر ليس هذا موضعها ، الفهرست - 221 ، وله جزء الصولي في الحديث جمعه الصولي من مرويات الحفاظ ، ويقول الذهبي : وله جزء سمعناه سير أعلام النبلاء - 10 / 73 ، تحقيق صلاح الدين المنجد ، إخراج معهد المخطوطات العربية ، وذكر الصولي أن له كتبا في الحديث - أخبار أبى تمام ص 62 . وله كتاب العبادة الفهرست للنديم ص 221 - وكتاب رمضان وكتاب سؤال وجواب رمضان الفهرست 221 . ( 7 ) مؤلفات الصولي الإخبارية ذات شقين ، شق يتصل بالتأريخ السياسي ، وآخر بالتأريخ الأدبي وتراجم الشعراء ، وفيما يتصل بالتأريخ السياسي : ألَّف الصولي مجموعة منها : الجزء الذي يتصل بتأريخ الخلفاء والدولة العباسية من كتاب الأوراق ، كتاب الوزراء ، كتاب القرامطة ، كتاب خبر الجمل ، رسالة في فضل أبى بكر محمد بن طغج ، كتاب مناقب علي بن الفرات وأما ما يتصل بالتأريخ الأدبي ، فله تراجم مجموعة كبيرةمن الشعراء المحدثين ، وما لدينا منها أخبار أبى تمام ، وأخبار البحتري ، وأخبار الشعراء المحدثين ، وأشعار أولاد الخلفاء ، والمفقود منها كثير . ( 8 ) - قد استمد الصولي معرفته للموسيقى والغناء ، ومعرفة الألحان وإيقاعاتها - من الحفلات التي كانت تقام في قصور الأمراء والخلفاء ومن اتصالاته بالمغنين والملحنين ( أخبار الراضي - 46 ) ، ويقول د . أحمد جمال العمرى - رحمة اللَّه - : وقد اشتهر الصولي بأنه كان يعرف الغناء ويجيده ، ويعرف أضربه وفنونه ومقاماته . . ، ويعرف مراتب المغنين والمغنيات ، وليس أدل على ثقافة الصولي الموسيقية من تأليفه كتابا عن إسحاق الموصلي ( وفيات الأعيان لابن خلكان - 3 / 477 ) ، أكبر المغنين في العصر ، جمع فيه أخباره ومؤلفاته - أبو بكر الصولي ص 96 . ( 9 ) - لم تنته ثقافة الصولي عند الأدب واللغة والفقه والموسيقى ، بل إنه اطلع أيضا في علم الكواكب والنجوم ، وما كتب عن الكسوفات والخسوفات وما أتت به الروايات والتنبؤات ، وكان يربط دائما بين ما اطلع عليه ودرسه ، وبين الأحداث المحيطة به ، فحين قتل المتقى للَّه سنة 333 ه ، ربط الصولي بين مقتله وبين ما جاءت به الرواية من ناحية ، وما حدث من كسوفات في الكواكب من ناحية أخرى ، يقول : وما أعجب ما اتفق له من صحة الأخبار فيه ، جاءت الرواية أن عمر الحادي والعشرين من الخلفاء أقل من ثلثي عمر الذي كان قبله ، وأكثر من نصفه ، فكان كذلك ، وذكر بليناس في كتابه الذي ذكر فيه الكسوفات ، وهو كتاب قديم ، قد ألف في قديم الدهر أمر ملك بابل فقال : وأنا أحكى لفظة من كتابه ، ومن طلب هذا الكتاب ، وجد ما ذكرته فيه على ما شرحته ، إن شاء اللَّه ، قال بليناس : أخبار الراضي - 283 . ( 10 ) - ذكر ابن تغرى بردى أن الصولي نبغ في علم الهندسة ، وأن هذا العلم انتهى إليه - لأنه شارك في وضع دعائمه وأصوله - النجوم الزاهرة 3 / 296 . ( 11 ) - النديم - بأوسع معانيها - هو الأديب ، ذلك الذي يجمع بين مختلف العلوم - ( من كل بستان زهرة ) - فيكون عالما وفقيها وكاتبا وشاعرا ، ملما بأنواع الثقافات السابقة والمعاصرة ، ملما بالعديد من العلوم كالفلك والطب والنجوم والطرد والقنص ، ولعب الصوالج ، والشّطرنج ، والموسيقى ، والغناء ، ولا تقف ثقافته ومعلوماته عند هذه الثقافات ، بل لابد أن تتوافر فيه ، وتجتمع له ألوان أخرى من الشمائل الخلقية مثل : الدماثة واللين والصبر واللباقة وحسن التصرف ، قادرا على التكيف حسب ما تقتضيه الظروف والأوضاع ، مرنا ، يتشكل ويتلون بشكل وميول مجالسيه من الخلفاء والأمراء والوزراء ، ذكيا ، سريع الخاطر ، لمّاحا ، يستشف الأفكار ، يكتم الأسرار ، لا يخطئ ، ولا يتلجلج ، ولا يترلق . . . وهل كان الصولي إلَّا كل هؤلاء في رجل واحد ! ؟ انظر كشاجم - أدب النديم - ص 3 ط بولاق سنة 1298 ه ، وابن عبد ربه - العقد الفريد - 1 / 265 تحقيق أحمد أمين وآخرين ، ط مصر 1940 م ، وانظر د . أحمد جمال العمرى - أبو بكر الصولي - 117 وما بعدها . ( 12 ) - النديم - الفهرست - 153 .